فخر الدين الرازي

47

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك . وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر اللّه تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز . أما قوله تعالى : لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف ، وقيل : إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه . المسألة الثانية : في هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك . والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود . المسألة الثالثة : هذه الآية ، تدل على أمور . أحدها : أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص . وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل . وثانيها : تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت . وثالثها : تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلًا إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه ، قلنا : ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن / يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه ، واللّه تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج : 29 ] وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه ، واحتج مالك بقوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ * [ البقرة : 144 ] ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه . والجواب : أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد ، بل لا بد وأن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلًا تحت الآية . ورابعها : أن قوله : لِلطَّائِفِينَ يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً عليه في كتاب اللّه تعالى ، كقوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أو ثبت حكمه بالسنة ، أو كان من المندوبات . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 )